a href="http://amtalarb.blogsome.com/" target="_blank"> ImageChef Custom Images :: مقالات

April 18, 2008

حكام الفساد فى نجد والحجاز


ثقافة العري فى فضائيات حماة مقدسات مكة

بقلم/ د. رفعت سيد أحمد

في مصر وكما هو الحال في كافة بلادنا العربية، الخوف على شبابنا، ليس فحسب من (المخدرات) و(الانحلال الخلقي)، ولكن من تلك الثقافة التي تبثها فضائيات تلك المملكة و ذلك (الأمير) الذي باع بعضها لليهود، كما أشارت هذة الصحيفة في أعدادها السابقة؛ فهذا الأمير ورفاقه دعاة حماية المقدسات، يبثون عبر فضائياتهم وصحافتهم المبتذلة، (ثقافة العري) بكل ما تعنيه الكلمة من معنى ومبنى؛ فمن استخدام للجسد، وبخاصة جسد المرأة في أسوأ، وأحقر استخدام له ،إلى إثارة متعمدة للغرائز، مع غياب كامل للمضمون الإعلامي الجاد والمحترم، فيتحول شبابنا تدريجياً إلى مجرد مستهلك لـ(بضاعة) رخيصة، تطل عليه صباح مساء من هذه الفضائيات.

* الأخطر في ثقافة العري التي يمتلكها ويبثها هؤلاء التُجار والسماسرة بقيادة الأمير (إياه) أنها تتعمد تقديم المرأة المصرية باعتبارها مثال للفتنة والإثارة، وليست تلك المرأة الفقيرة المكافحة (وما أكثرهن) أو المرأة العالمة المثقفة المتدينة، إنه يقدم فقط المرأة المبتذلة، وكأن كل نساء مصر كذلك، ولعل حلقات هالة سرحان عن (الدعارة في مصر) والتى قدمتها عبر فضائية روتانا التى يباركها شيوخ الوهابية ويحللون مشاهدتها فى الوقت الذى يكفرون فيه المقاومة وثقافتها نقول لعل ماقدمته( هالة)خير مثال على ما نقول، حيث فبركت الإعلامية الكبيرة القضية وقدمت فتيات مصريات باعتبارهن داعرات يقدمن المتعة بأجر، ثم بعد إذاعة الحلقات على قناة روتانا التي يمتلكها (الأمير الوليد بن طلال) الذي يزعم هو وأسرته ودولته حماية الكعبة والمقدسات والقيم (!!)، إذ بالفتيات يفضحن القناة الفضائية، والإعلامية الكبيرة وأميرها الذي حماها، ويعلن أنهن قمن بتمثيل دور الداعرات مقابل أجر وأن المسئولين بهذه الفضائية أجبرهن على ذلك!!

* إن تعمد هؤلاء تقديم المرأة المصرية على هذا الشكل يعد في عرف القانون جريمة ينبغي أن يحاسبوا عليها، وهو ما جري فعلاً في حينها، لكن الأهم هو المحاسبة الشعبية والسياسية، وهو ما ينبغي أن يظل مستمراً وقائماً حتى لو حفظ التحقيق القانوني مع هالة والأمير الوليد الذي حماها مرغماً عن أنف الشعب المصري، بل وأعطاها برنامجاً جديداً تبث فيه "ثقافة العري" التي تتقنها ويحبها الأمير ورفاقه!!

* الأخطر من الشكل السائد لثقافة العري هذه، هو ثقافة التطرف والغلو والتكفير التى ابدع فيها شيوخ الوهابية المتسعودة ضد كل ماهو خير وحلال فى ديننا ودنيانا وهي ثقافة لا تقل خطراً عن (ثقافة العري) بل ربما تقوم بنفس المهمة وهي تشوه القيم (والتي عمودها الإسلام) وتشوه التدين المصري والعربي المعتدل، والغريب في الأمر أن الذي يرعى الثقافتان (العري والتطرف) هو مصدر واحد (الاسرة السعودية)وهو ذاته المصدر الذي لا يعلو نجمه إلا عندما يهبط نجم الثقافة والتدين المصري المعتدل، إنهم يعّلون ويتضخمون بأموالهم وثقافتهم المبتذلة كلما هبط الدور المصري بفعل حكامه وبعض مثقفيه من السماسرة والمرتزقة وهو الدوروالذي نطالب اليوم بإحيائه وبقوة في مواجهة أموال النفط وثقافة عريه وغلوه الديني المخالف لروح الإسلام وجوهره.

صناعة الجوع سياسة حكم

Filed under: مقالات


دخلت مصر عصر المجاعة ضمن سياق كامل أوجده حسني مبارك، ولعبت عائلته الدور الأكبر في تأصيله وترسيخه، وهذه المجاعة كشفت بوضوح حجم الأزمة المجتمعية والسياسية الشاملة التي تعيشها مصر، وتمثل أزمة الخبز منها قمة جبل الثلج العائم .
مع ما في مصر مما يكفي لحياة كريمة ولائقة بمواطنيها، ونشرنا السبت الماضي أرقاما حكومية عن ارتفاع دخل قناة السويس وعائد السياحة، وسعر النفط، الذي تضاعف خمس مرات منذ غزو العراق. وصناعة الجوع إنجاز اقترفه حكم حسني مبارك، سواء في مرحلته الأولي، التي كان فيها منفردا بالقرار والمسؤولية، أو في الثانية التي سلم فيها إدارة السياسة والاقتصاد والمال ومجالات الحياة العامة والخاصة للمصريين لعائلته، بهدف الوصول إلي مستوي من الغني والثراء يفوق التصور. لم يكتف بتحويل الدعم المخصص للفقراء ومحدودي الدخل إلي رجال المال والأعمال ومافيا المال والسياسة، إنما سجل علي نفسه، في سابقة هي الأولي في التاريخ المصري، تقديم الدعم المستحق للمصريين إلي الدولة الصهيورنية، باع لها النفط بأقل من سعره العالمي، ويمنحها الغاز بأقل من سعر تكلفة استخراجه، وأعطاها ميزات تفضيلية في الصناعة، عن طريق المناطق الصناعية المؤهلة، المعروفة بالكويز !!.
ونستمر في التحدث بلغة الأرقام. ونبدأ بتقرير للسفارة الأمريكية بالقاهرة صدر العام الماضي، عن اتجاهات الاقتصاد المصري، وهو ليس من التقارير المعادية، لكونه يصدر عن السفارة الراعية والضامنة لبقاء عائلة مبارك في حكم مصر، كمكافأة لها علي اندماجها في المشروع الصهيو أمريكي المطبق علي المنطقة، منذ ما قبل وصول المحافظين الجدد إلي البيت الأبيض. أول ما يكشف عنه التقرير هو أن 52% من المصريين يعيشون تحت خط الفقر، وهي نسبة الذين يعيشون علي أقل من دولارين في اليوم الواحد، أي أقل من احد عشر جنيها مصريا، وذكر أن معدل البطالة الرسمي حوالي 11% وفي نفس الوقت يشير إلي تقارير وصفها بالمستقلة تقدرها بـ22%، بجانب إشارته للبطالة المقنعة وقال انها بين 40 و50% من حجم القوي العاملة، وعرج علي التضخم وبين أن نسبته أعلي بكثير من النسبة المعلنة حكوميا بـ12.4%، ورصد حالة التراجع التي أصابت الزراعة، و انخفاض مساهمتها في إجمالي الناتج الوطني من 20% عامي 86/ 1987 إلي 14.5% في النصف الأول من 06/ 2007 وانخفاض انتاجية القطن من 932 ألف بالة 05/ 2006 إلي 813 ألف بالة 06/ 2007.
وهذا يتم علي الرغم من ارتفاع حصيلة بيع شركات القطاع العام وبيع الرخصة الثالثة للهاتف المحمول، وارتفاع أسعار الغاز الطبيعي، وحصيلة المضاربة علي الأراضي، وقد كانت 367 مليون جنيه عام 04/ 2005 ووصلت إلي مليار 295 مليون عام 05/ 2006، وتضاعفت بالقطع في العام التالي، وحصيلة بيع 30% من أسمنت السويس بـ1.9 مليار جنيه، لتصبح حصة الشريك الأجنبي 54%، وذكر بيع شركة عمر أفندي، وتخلي الحكومة عن أسهمها في عشرة مصارف مشتركة، والتخلص من أحد أهم مصارفها، وهو بنك الإسكندرية، ومن الصدف الغريبة أنني كنت أتابع تقريرا اخباريا يوم الثلاثاء الماضي عن أزمة نورذرن روك . مصرف بريطاني كبير، أممته الحكومة البريطانية مؤخرا، كحل لمواجهة أزمته، ما لفت النظر كان تعليق مسؤول حكومي رفيع بقوله: ليست هناك دولة تفرط في أصولها المالية والاقتصادية ! وهو ما أهديه لحسني مبارك وعائلته .
ونستمر مع تقرير السفارة الأمريكية، في تنويهها لعزم الحكومة بيع كل شركات التأمين، وتصفية مساهمة الحكومة في شركات التأمين الأهلية، وإذا أضفنا من جانبنا أن مصر خرجت من معادلة القوة الإقليمية، وتوقفت عن الدفاع عن نفسها، والمساهمة في منظومة الدفاع العربية، لاندماجها في المشروع الصهيو أمريكي، الضامن لأمن الدولة الصهيونية والمكرس لتفوقها علي الدول العربية مجتمعة، ولم تدخل حربا وطنية أو عربية بعد 1973 وحروبها التي دخلتها كانت جزءا من المجهود السياسي والاقتصادي والعسكري الأمريكي، وتلبية لاحتياجات الأمن الصهيوني، حرب الخليج الثانية.. المشاركة في حصار ليبيا والعراق وقطاع غزة.. تقديم الأرض والقواعد والممرات البحرية والجوية لغزو العراق، وحصار فلسطين ولبنان. وذلك مقابل ما تدفعه الإدارة الأمريكية علي هيئة معونة اقتصادية، في حدود 700 مليون دولار، وأخري عسكرية، قدرها 1.2 مليار دولار، يذهب جزء كبير منها إلي جيوب المسؤولين ورجال الأعمال والعاملين علي تنفيذ المخطط الصهيو أمريكي .
وبجانب التقرير الأمريكي بينت تقارير الأجهزة الرقابية أن سياسة صنع الجوع ونشره، يؤكدها تفاقم الفساد وحجم التبديد المترتب عليه، ويقدر بـ50 مليار جنيه مصري سنويا، ووصول معدل ضبط قضايا الفساد إلي أكثر من 70 ألف قضية (72593) في 2005، منها 10853 قضية اختلاس مال عام ورشوة وتزوير. ويري الخبير الاقتصادي عبد القادر فاروق أن الفساد تحول إلي مؤسسة شاملة، بداية من عام 1982، أي العام التالي لحكم حسني مبارك. وكشف النقاب، في ندوة الفساد وحقوق الإنسان (16 مارس/ أذار 2006)، بالمركز المصري للدراسات والتنمية. كشف عن وجود خمس آليات للفساد في مصر هي :

1) وجود سياسات لإفساد المؤسسات وأفرادها.
2) وجود جماعات منظمة للفساد لديها قواعد نظامية وعرفيه تنظم علاقاتها ودورها.
3) وجود علاقات بين هذه الجماعات والنخبة الحاكمة سياسيا.
4) توظيف سياسة إفقار محدودي الدخل ودفعهم للقبول بالرشوة.
5) إفساد الرقابة في صورتيها الشعبية والأمنية. وهذا أهدر 34 مليار جنيه، تبددت في صورة عمولات برنامج الخصخصة، وبيع 194 شركة بـ 6.16 مليار جنيه فقط، أقل من ثمنها الحقيقي. وتحدث عن مافيا الفساد، التي تشكلت في المصارف، وأهدرت وحدها 60 مليار جنيه مصري، بجانب وجود ما أسماه فاروق فساد الصغار ، المعتمد علي إفساد الموظفين والمدرسين، وأدي إلي إنفاق 18 مليار جنيه مصري علي الدروس الخصوصية، ولذلك صنفت مصر ضمن قائمة الدول الأكثر فسادا في العالم .

أصحاب القرار باعوا أصول المجتمع والدولة لحسابهم، ويديرون المضاربات الأهلية والحكومية علي الأراضي والعقارات، ويهربون الأموال، ويديرون السوق السوداء ويوفرون القنوات اللازمة لغسيل الأموال، ويتاجرون في المخدرات والمواد الممنوعة والخطرة، ويتقاضون العمولات والرشاوي، ويحددون أنصبتهم من حصيلة الاقتصاد الأسود. وتتجاوز مئة مليار جنيه مصري، أكثر من ثلثها من تجارة المخدرات وحدها. ولن نتحدث عن حجم ما يحصلون عليه من المعونات الأمريكية والغربية. ولو كان هذا اقتصادا عفيا ومشروعا وأخلاقيا، لأدخل المليارات إلي الخزانة العامة. من الضرائب، ومن عائد بيع الأراضي والخصخصة .
واستثمر ذلك في إنشاء مجالات وفرص عمل جديدة، ولتمكن من الصرف علي الخدمات والدعم، ولحرك دورة الاقتصاد بشكل طبيعي ومنضبط، ولكان مقابل ارتفاع الأسعار عالميا أن بيان نصيب مصر من عائدها الذي حصلت عليه داخليا .
من ارتفاع أسعار الحديد والأسمنت والمعادن، ومن حصيلة المضاربة علي الأراضي والمساكن، ومن دخل النفط، وتكلفة الخدمات، وكان هذا النصيب كفيل برفع دخل المواطنين وأجورهم، كما حدث في باقي بلاد العالم. وفساد الحكم ونوعية الحاكم حالا دون ذلك، لأنهما يتعاملان علي مبدأ قسمة الغرماء . لهما الغنم ولباقي المواطنين الغرم. وحكم من المفترض فيه أن يتحكم في كل هذه الموارد. هو نفسه الذي يصنع أزماته بالجملة. لا هم له إلا القضاء علي الأخضر واليابس، والتمتع بالحياة علي أشلاء المصريين وجماجمهم .
سبب المجاعة الحالية ليس جشع التجار أو استغلال أصحاب المخابز فقط، فهؤلاء حلقة أخيرة، وقد تكون الأضعف، في سلسلة المصالح الاحتكارية لمافيا السياسة والمال. وهي مصالح أشعلت جحيما لم يعد محتملا. وأخضعت البلاد لظروف لم تعشها أيام اقتصاد الحرب. وهيأ لهذه الظروف احتضانها ذوي العاهات الوطنية والأخلاقية. ولعل القارئ الكريم يذكر ما كتبناه منذ مدة، عن قيم اللصوصية التي وضعتها هذه المافيا، والزمت بها النظام ، وأقرت مبدأ اختيار المسؤول من بين اللصوص الأغنياء، بدعوي أن اللص الغني شبع وسيكف عن السرقة، وجاءت التجربة شاهدا علي فساد مثل هذه القيم. فلم نجد لصا غنيا واحدا تولي المسؤولية وأقلع عن السرقة، ورفع أذاه عن الناس، وكما يقول أشقاؤنا الشوام، ما زال الحبل علي الجرار !
ويقف وراء المجاعة الحالية مسؤولون كبار، وقادة في الحـــزب الحاكم، وأعضاء لجنة جمال مبارك، (لجنة السياسات)، ونواب في مجلسي الشعب والشوري. أتباعهم يقدمون التسهيلات لتهريب الدقيق إلي السوق السوداء، ويحققون من وراء ذلك مكاسب طائلة، ويشلون، بوزنهم ونفوذهم، مؤسسات القانون، وهيئات الرقابة والشخصيات الملتزمة وطنيا عن فعل شيء في مواجهة الأزمة، فحجم فروق الأسعار كبير جوال الدقيق الذي يباع للمخابز الشعبية بستة عشر جنيها، يهرب ليباع ما بين 200 و220 جنيها. وأصحاب القرار يتصورون أن المجاعة تحقق لهم أغراضهم. بإذلال المصريين وامتهان كرامتهم وكسر كبريائهم، وفق قاعدة جوِّع شعبك يتبعك ، تفتقت عنها جهالتهم باتباع مبدأ جوع كلبك يتبعك، ولو كان جوع الكلب يربطه بصاحبه، إلا أنه حين يشرف علي الموت من أثر الجوع يكون في ذروة الشراسة، وكثيرا ما يصاب بالسعار، فينهش لحم كل من يراه ويقابله، وهذه الجهالة لا تصلح مع الإنسان، إذا كانت هذه المافيا تفهم ما معني إنسان، فالجوع وهو يلغي المسافة بين الحياة والموت. يفقد الحياة قيمتها ومبررها، وهذا مصدر خطر حقيقي، لا يعطيه المسؤولون أدني اهتمام، وقد يدفعون ثمنه وهم صاغرون!. الجوع يولد التمرد والفوضي والثورة، ومصر دخلت مرحلة التمرد، والأمل أن تلج إلي الثورة بدون المرور بحالة الفوضي، فثمن الفوضي باهظ، وينتظره الأعداء، من أصحاب نظريات الفوضي الخلاقة وغير الخلاقة، ويبدو أن الموضوع ما زال في حاجة إلي زيادة .


محمد عبد الحكم دياب

April 1, 2008

رئيس لا يدرك قيمة البلد الذى يحكمه

Filed under: مقالات

فى مقال جرىء  من مقالات عبدالله السناوى..يصف فيها الرئيس مبارك بأنه لا يدرك قيمة البلد الذى يحكمه ..ويتهم الرئيس بانه يقول فى الجلسات المغلقة اشياء غير التى يصرح بها فى العلن..ويعد المقال التالى واحدا من مقالات السناوى التى ستبقى طويلا فى ارشيفه وفى ذاكرة الناس

مبارك يغيب عن القمة بضغوط أمريكية فوجئ العاهل السعودى الملك عبدالله بن عبدالعزيز بضيفه الرئيس المصرى حسنى مبارك، فى إحدى جولاته الأخيرة بالخليج، ينسب للرئيس الراحل جمال عبدالناصر مسئولية الأزمات التى تعانى منها المنطقة، وأنه «أصل المصائب». فلم يكن فى الحوار ما يستدعى التطرق إلى عبدالناصر، وفيما بعد نقل العاهل السعودى إلى كبار مساعديه كلمات الرئيس المصرى، التى بدا فيها أن لديه مشكلة مع التاريخ، رغم أنه قد مضى نحو أربعة عقود على رحيل عبدالناصر، اختلفت السياسات خلالها وتناقضت، وأفسح المجال واسعاً لانتهاج سياسات أخرى.. لدى الأسرة السعودية -تقليدياً- «ثقافة كراهية» لكل ما ينتسب لثورة يوليو، خفتت مع تعاقب الأزمنة وتباعد العصور، ولكن تبقى منها فكرة «وراثة الدور المصري» فى قيادة المنطقة، غير أن للقيادة فواتيرها التى يتعين دفعها فى تبنى مصالح المنطقة وقضاياها الكبرى، بما قد يدعو إلى صدام مؤكد مع المصالح الغربية، والأمريكية على الخصوص، وهو ما ليس بطاقة السعودية، ولا فى خياراتها الاستراتيجية، ولا مؤهلة فى طبيعة نظامها لمثل هذا الصدام. الطموح -هنا -يناقض طبائع الأدوار، وقد تكون القيادة السعودية قد استراحت واستغربت فى نفس الوقت من كلمات الرئاسة المصرية. العوامل التى تدعوها إلى أن تستريح وتطمئن أن نصوص مبارك تنزع عن مصر أية طموحات أو تصورات لاستعادة أدوارها القيادية فى المنطقة، وتؤهلها بصورة أكبر للمضى فيما هى ماضية فيه من سياسات وخيارات دفعت بها فى النهاية لاتباع السياسات والخيارات السعودية تحت الأفق الاستراتيجى الأمريكى، والأزمة اللبنانية نموذج صريح للوضع الذى وصلت إليه مصر فى اتباع خطى السعودية. والعوامل التى تدعو للاستغراب أن صعود الرئيس مبارك إلى مقعده الرئاسى لم يكن متخيلاً أن يحدث لولا التغيير الكبير الذى حدث فى مصر بعد ثورة 23 يوليو، فهو لم يصعد للمقعد الرئاسى بانقلاب أو بثورة أو بانتخابات وفق القواعد الديمقراطية المتعارف عليها، ولو لم تقم هذه الثورة لكان أكثر ما يطمح إليه مبارك الآن أن يقضى أغلب وقته فى حديقة نادى هليوبوليس بعد إحالته إلى التقاعد من الخدمة العسكرية. ولم يكن معتاداً لسنوات طويلة أن يهاجم مبارك مؤسس الجمهورية جمال عبدالناصر فى اجتماعاته مع الملوك والرؤساء، غير أن أزمات المنطقة الضاغطة، وتراجع الدور المصرى على مسارحها، دفع إلى تفاقم أزمته مع تاريخ بلده، والقضية ليست جمال عبدالناصر، بل الدور المصرى وفاعليته، وقواعد احترام تاريخنا الوطنى، نختلف أو نتفق مع جمال عبدالناصر، ليست تلك هى المشكلة، وإنما أن تكون السياسة المصرية متسقة مع مصالحنا الوطنية، ومقدرة أن وزنها كدولة محورية فى المنطقة بحقائق الجغرافيا والتاريخ والموارد الإنسانية والثقافية تؤهلها للقيادة والاضطلاع بواجباتها وأدوارها، أما أن تتراجع السياسة المصرية إلى اتباع ما هو تابع، وأن تمضى بعيداً فى هذا الاتجاه إلى حد المقاطعة العملية للقمة العربية فى دمشق، بخفض مستوى التمثيل فيها إلى درجة أقل من وزير الخارجية، فإن القضية تستحق المراجعة والتوقف عندها. و.. السؤال الجوهرى هنا: ما مصلحة بلادنا فى إثارة التوتر وروح العداء مع سوريا، التى كانت تعد إلى وقت قريب -مع مصر السعودية- قاطرة النظام العربى المتهالك..؟. للسعودية أسبابها فى محاولة عزل سوريا، و«حشرها فى الزاوية»، فهى طرف مباشر ولاعب أصيل فى تفاعلات وصراعات الأزمة اللبنانية، وتهيمن بصورة مطلقة على تيار المستقبل، وهو التيار الرئيسى فى حركة 14 آذار، ويعنيها حسم الصراع فى لبنان لصالح أنصارها، وتحجيم حزب الله، لأنه -من ناحية- يتبنى خيارات المقاومة التى لا تناسب الخيارات السعودية المحسوبة على الاستراتيجية الأمريكية، ولأنه -من ناحية أخرى ـ قريب من إيران وحليف لها، وبالاعتقاد السعودى أن من ضرورات صعود أدوارها فى المنطقة منازعة إيران على النفوذ والقوة، مستندة إلى دعم أمريكى صريح، وصل إلى حد دعوة الدول العربية المعتدلة علناً إلى عدم المشاركة فى قمة دمشق. الأسباب السعودية معلنة، ولها قدر من المشروعية تناسب مصالحها، ولكن ما هى المصالح المصرية التى تدعو صحافتنا إلى إعلان فشل قمة دمشق قبل أن تبدأ، وتحميل العاصمة السورية مسئولية الفشل المسبق، والدخول فى حملات تشويه لقيادتها، باعتبار أنها طرف فيما تسميه «الحلف السورى الإيراني». ما مصلحة مصر فى ذلك كله، وهى بلا دور فاعل أو سياسة يعتد بها، وملحقة بسياسات آخرين لها حساباتها ومصالحها، ما مصلحة مصر فى أن تخفض تمثيلها فى القمة العربية إلى ما دون وزير الخارجية، وأن تصف ذلك بأنه تمثيل متدن، وهى إهانة بالغة للدكتور مفيد شهاب، وقد كان ممكناً أن يتدنى التمثيل إلى أكثر من ذلك، بأن ترسل مصر -مثلاً- وزير التضامن الاجتماعى أو وزير التنمية الاقتصادية، فطالما قررت إرسال من ليس على اطلاع كاف أو غير كاف بملفات المنطقة وكواليس القمة وحساباتها، فيمكن التدنى إلى آخر ما يمكن تصوره، غير أن الحقيقة، أياً كان التمثيل المصرى، فإنه لم يكن ممكناً نجاح القمة فى ظل إرادات سياسية عربية غائبة، أو هى -فى أفضل الأحوال- مرهونة لما تريده واشنطن وتل أبيب. نفس القيادات العربية هرولت إلى «مؤتمر أنابوليس» بإشارة من الولايات المتحدة بذات الحماس الذى خفضت به تمثيلها فى قمة دمشق بإشارة أخرى من الولايات المتحدة. الأزمة اللبنانية ليست ـ فى كل الأحوال ـ السبب المباشر أو الحقيقى فى تفجير الصراعات العربية، أو محاولات إفشال قمة دمشق قبل أن تبدأ، بل هى أزمة كاشفة لانهيار النظام الإقليمى العربى. وسواء حضر القادة العرب أو لم يحضروا فإن الفشل محقق، فالملفات المفتوحة فلسطينياً وعراقياً ولبنانياً للولايات المتحدة، وإسرائيل من وراءها، الكلمة الفصل فيها عند الدول الموصوفة بالاعتدال. ومن العيب أن تحمل صحفاً مصرية رسمية مسئولية الفشل لما تسميه «المحور السورى الإيراني» متجاهلة المحور الأخطر على مصالحنا وحقوقنا «المحور الأمريكى الإسرائيلي».. لإيران مصالحها ومشروعاتها الإقليمية وسعيها لبناء دولة حديثة وقوية كلمتها مسموعة فى منطقتها، ومشروعها النووى يدخل فى هذا السياق الاستراتيجى، ولإيران أخطاؤها فى الملف العراقى، وهناك جور فى بعض الحالات على حقوق عربية مؤكدة، ولكن لا يصح فى كل الأحوال أن يستبدل «العدو الإيراني» بـ«العدو الإسرائيلي»، أو أن نتبنى كل الأهداف الإسرائيلية فى حصار إيران، ونعاقب الأخيرة على دعمها لحزب الله أو حركة حماس، فهى فى النهاية حركات مقاومة عربية، لإيران -كدولة كبرى فى المنطقة- أخطاءها، وقد تدفع ثمنها مستقبلاً، ولكن ليس من بين هذه الأخطاء طموحها لامتلاك سلاح نووى، أو أن تدافع عن مصالحها، أو أن تمد يدها إلى مصر، مرة بعد أخرى، فقد تعاقبت الزيارات من مسئولين إيرانيين على مستوى رفيع إلى القاهرة ملتقية بالرئيس مبارك، الذى بدت خياراته مرهونة بضوء أخضر أمريكى يسمح، أو أحمر يمنع، وبدا مثيراً فى لقاء ضم الرئيس مبارك على مائدة إفطار مع الرئيس الإيرانى السابق محمد خاتمى، الموصوف بالاعتدال والانفتاح على الغرب، والمعارض لكثير من توجهات الرئيس الحالى أحمدى نجاد، أن يستغرق جانباً فى الاجتماع انتقادات حادة وجهها مبارك لنجاد، مما اضطر خاتمى أن يقول: «سيادة الرئيس.. تعرف أننى أختلف مع نجاد فى قضايا كثيرة، لكن الملف النووى قضية إجماع وطنى فى إيران».. وهذه حسابات دول تدرك مصالحها والفرص المتاحة أمامها، ومن أهمها وأخطرها التورط الأمريكى فى المستنقع العراقى، قد تجور إيران -بحسابات العدالة- على مصالح دولة عربية مهمة مثل العراق، ولكن العدالة لا قيمة لها ما لم تسندها حقائق قوة، ومصر الغائبة عن محيطها وقضاياها وملفات المنطقة الساخنة، المسلمة للسعودية بالقيادة تحت غطاء أمريكى، هى السبب الرئيسى لتدهور العرب وقضاياهم، وقد يبدو غريباً -فى السياق ذاته- أن يقول مبارك ناقداً نجاد فى حضرة خاتمى، الذى بدا مشدوهاً مما يسمع حسبما نقل إلى معاونيه: «.. عبدالناصر تاني». وهذه قراءة خاطئة لظاهرة نجاد، فعبدالناصر قضية أخرى، وعندما تقارن أية شخصية إقليمية به فالمعنى ينصرف إلى فكرة التحدى للإرادة الغربية. وفيما يبدو أن مبارك لا يدرك حقاً قيمة الرجل الذى يجلس اليوم على كرسيه، فالوفود الإيرانية التى وصلت القاهرة فى خلفيتها صورة جمال عبدالناصر، أو أنها فى بلد الرجل الذى أمم قناة السويس، ودعم الإمام الخومينى، وناهض لسنوات طويلة فساد حكم الشاه، وهو تراث ملك البلد، ويتوجب استثماره -أياً كانت الخلافات مع جمال عبدالناصر وعصره- لا التعريض به بمناسبة أو غير مناسبة. ويدرك الرئيس مبارك أن ما أقوله -هنا- دقيق وصحيح، بكل أسف. ولكن الأهم فى كل تلك الروايات المدققة معناها، والذى يتلخص فى أن مصر بلد فقدت بوصلتها وضاعت قضاياها ودخلت رئاستها فى مشكلة مع تاريخها. وهذه هى القضية الحقيقية فى قصة مصر مع القمة، فإذا كانت فاشلة، فمصر تتحمل جانباً كبيراً فى المسئولية، وإذا كان الخيار بين سوريا وإسرائيل، فنحن مع سوريا، مع الاعتراف الضرورى بأنها ارتكبت أخطاء فادحة فى لبنان، وفى التمديد للرئيس إميل لحود، وقد انتقدت ذلك فى وقته، ولكن أن يراد اليوم حذف سوريا من المعادلات اللبنانية لصالح إسرائيل، فنحن مع سوريا، وإذا كان الهدف من تصعيد الحملة على القمة النيل من إيران، وأخطائها يمكن تلمسها فى العراق، لصالح إسرائيل، فنحن مع إيران، فهناك دائماً فارق جوهرى بين «العدو» و«الصديق»، والأصدقاء يخطئون، ولكّن أخطاءهم يمكن تصحيحها، وغياب مصر هو من ضمن الأسباب التى دفعت المنطقة للتدهور، وعندما تعود بأدوارها، يمكن تصحيح العلاقات العربية - العربية، والعلاقات العربية - الإيرانية، أما ما يحدث اليوم فلا يليق به غير أن نصفه، بعبارة الدكتور أحمد فتحى سرور رئيس مجلس الشعب: «ألاعيب الحلنجي»، العبارة قد تبدو صادمة، لكنه استخدمها فى اجتماع للجنة الأمن القومى فى مجلس الشعب عندما أخذ يروى بعض وقائع زيارته للولايات المتحدة، مؤكداً أنه يمكن التفاهم مع الأمريكيين، لو تجنبنا الحديث عن إسرائيل أو التعريض بها، وهو استنتاج غريب، لأن معناه بالضبط تجنب الحديث فى ملفات المنطقة أو حقوقنا فيها، أو الاعتداءات الإسرائيلية عليها، ومضيفاً لاستنتاجه» أن تكون لديك قدرات «الحلنجي» -وهو مصطلح شعبى مصرى يعنى الرجل الذى يلعب بالثلاث ورقات ويراوغ فى الكلام ويكثر فى الحركة دون أن يقول كلاماً حقيقياً أو مصدقاً، ولكنه يبدو قادراً على لفت الانتباه وإبعاد النظر فى ذات الوقت عن القضايا الحقيقية. شيء من هذا المعنى قام به الدكتور سرور فى واشنطن عندما سأله سيناتور أمريكي: «من يحكم مصر بعد مبارك..؟»، فأجابه سرور -على الطريقة التى وصفها بنفسه بأنها «قدرات حلنجي»: «.. وهل تعرف أنت من يخلف بوش..؟!». والدكتور سرور قانونى بارز، يدرك قبل غيره أن إجابته خارج الموضوع، ولكنه يعتقد أن «الحلنجي» يمكن أن يكون أكثر فائدة فى هذه الحالة من «القانوني» أو «البرلماني» أو «السياسي». فالوضع سييء بالفعل، والأمور تدهورت إلى حد اعتماد أساليب «الحلنجية» فى إدارة السياسة الخارجية. وشيء من هذا المعنى حدث تحت قبة البرلمان عندما نفى الدكتور مفيد شهاب، الذى جلس على مقعد الرئيس مبارك فى القمة العربية، أن تكون للحكومة المصرية أدنى صلة بصفقات الغاز لإسرائيل، فهذه أمور تتعلق بشركات وعقود بينها، وعندما اعترض بعض النواب على هذا الكلام الغريب بأنه لا يصح أن يصدر عن حكومة مسئولة ومحترمة، أو أنه كلام لا يقال على «مقهى بلدي»، فأردف سرور -بخفة ظل ولكنها موجعة وكاشفة للتدهور المصري: «.. ولا فى غرزة». و..شيء من هذا المعنى فى حادث قناة السويس، ومقتل «بمبوطى مصري» برصاص أمريكى، السفارة الأمريكية رفضت أن تعتذر، وقيل بعد ذلك إن الرئيس الأمريكى أعرب عن أسفه للرئيس مبارك، والأغرب أن الصحافة المصرية الرسمية وصفت الحادث بأنه «خطأ مزدوج»، كأنه يمكن المساواة بين قارب عليه «بمبوطية» توجه للسفينة العسكرية الأمريكية لبيع سجائر أو أدوات مما يحتاجها البحارة، دون أن يلتفت للطلقات التحذيرية التى أطلقتها السفينة، بحسب الرواية الأمريكية الرسمية، وبين إطلاق الرصاص فى مقتل على مصريين ونزول عسكريين أمريكيين إلى القارب لتفتيشه. والمعنى هنا أن الأمريكيين مرعوبون، وتصوروا أن عملية «إرهابية» سوف تحدث، وأن القارب ملغم، والأخطر أنهم يعتقدون أن لديهم الصلاحية للضرب دون تيقن والقتل بلا تردد، وأن السلطات المصرية لا تملك قرارها، وليس بوسعها احتجاز سفينة تابعة للجيش الخامس الأمريكى، أو حتى التحقيق معها، وكل ما استطاعته أن تقول إنها تنتظر نتائج التحقيق التى سوف يجريها الأسطول الخامس. وهذا كلام -باستعادة كلمات وعبر الدكتور سرور- لا يقال فى «غرزة»، ولا يصدر عن دولة تحترم مواطنيها وسيادتها، ويقصر عن أن يوصف بأن به شيئا من «قدرات الحلنجية»، فـ«الحلنجي» يتحدث خارج الموضوع وكأنه يتحدث فيه، بينما الموضوع يتعلق بموقف لابد من اتخاذه، وتصعيد المواجهة فيه، ولكن «البمبوطية»، وهم تعبير رمزى عن المصريين الفقراء، لا قيمة لهم ولا وزن لدمائهم، فالأهم: أن نحفظ ما نسميه بالعلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، وأن نتبع تعليماتها، بالحرف والفاصلة، وأن نتهجم على جمال عبدالناصر وعصره، وأن نفشل قمة دمشق، وأن نلعن الحلف السورى الإيرانى.. هل هذه سياسة يحترمها أحد.. هل هذه مصر حقاً؟!

January 12, 2008

البحث عن الحرية العربية

Filed under: مقالات

صبحي غندور*

هناك نماذج من الكتابات العربية تحاول تصوير الصراع الفكري الراهن في المنطقة وكأنه بين إتجاهين: "ديمقراطي" و"ديني"، وهذه الكتابات لا تخرج عن المألوف في التاريخ العربي المعاصر حينما كان العالم، لأكثر من نصف قرن، ينقسم بين شرق "اشتراكي" وغرب "رأسمالي"، وهي الفترة التي سادت بعد الحرب العالمية الثانية، والتي عُرفت باسم الحرب الباردة بين قطبي العالم.

فبينما كان "القطب الغربي" يطرح "الديمقراطية" كرمز له وكعلاج سحري لمشاكل المجتمعات، كان "القطب الشرقي" يدعو للاشتراكية والعدالة الاجتماعية كطرح مضاد ومقابل للطرح الغربي الرأسمالي.

وكانت دول العالم الثالث تبحث عن مكان لها في عالم تسوده القطبية الثنائية الحادة. لكن دول العالم الثالث (وهي المنطقة العربية وأفريقيا وأميركا اللاتينية وقسم كبيرمن آسيا) كانت تعيش همّاً إضافياً يختلف في طبيعته عن هموم دول "العالم الأول" الغربي و"العالم الثاني" الشرقي… فقد كان الهمّ الأول لدول العالم الثالث هو التحرّر الوطني والقومي من السيطرة الاستعمارية المباشرة التي ميّزت القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين.

صحيح أنّ "الديمقراطية" و"العدالة الاجتماعية" هما أساس لبناء المجتمعات من الداخل لكن ذلك لا يعلو على مسألة التحرّر من سيطرة الخارج.  فعندما يخضع شعب ما للاحتلال أو للسيطرة الخارجية، فإنّ مفاهيم ووسائل تطبيق الديمقراطية أو العدالة الاجتماعية، ستكون فقط بما يتناسب مع مصالح المحتل أو المسيطر، لا بما يؤدي إلى التحرّر منه أو من نفوذه المباشر.  ويتضّح هذا الأمر أكثر بمراجعة كيفية إصرار القطب الشيوعي العالمي خلال القرن العشرين على تهميش أي دور للإرادة الوطنية الحرّة في المجتمعات التي كانت تسير في فلكه، وعلى تهميشه، بل ورفضه، لأي طرح ديمقراطي وطني مستقل.  كذلك كان الأمر على الطرف الآخر الذي كان يريد تهميش كل طرح اجتماعي عادل، وإبقاء السيطرة الاقتصادية للشركات الغربية الكبرى تحت حجّة "حرية السوق" و"النظام الاقتصادي الحر" وشعارات الديمقراطية الرنّانة.

وقد سعى "الشرق" الشيوعي و"الغرب" الرأسمالي، في عقود "الحرب الباردة"، إلى وضع العالم كلّه أمام خيار "الأبيض والأسود"، فإمّا مع هذا الطرف فكرياً وسياسياً واقتصادياً وعسكرياً، بل وحتى ثقافياً، وإمّا ضدّه بالكامل إذا جرى الاعتراض أو الاختلاف مع بعض طروحاته!

هذه مرحلة قد خلت لكن ما زال منهج الفرز الفكري الاستقطابي الحاد هو وسيلة القطب الغربي الأميركي من جهة، كما هو في أسلوب القوى المناهضة الآن للسياسة الأميركية، بينما يشهد العالم حالة فوضى من الطروحات التي تتفاعل داخل كل مجتمع.. وهي طروحات تشمل الدين والعلمانية ومسألة الإرهاب، والقومية والعنصرية، والإنغلاق الطائفي والعرقي في عصر التكتلات الاقتصادية الكبرى.

لكن هناك نماذج عالمية معاصرة قد يستفيد العرب من تجاربها:

* التجربة اليابانية:  فاليابان خرجت من الحرب العالمية الثانية مدمَّرة ومهزومة وعاشت تجربة استخدام السلاح النووي ضدها - وهذا ما لم يحصل في أي مكان آخر بالعالم - ورغم ذلك استطاعت اليابان أن تخرج من تحت الأنقاض وتعيد بناء ذاتها لتكون الآن منافساً إقتصادياً لمن أذلّها في الحرب العالمية الثانية.

وفي هذه التجربة اليابانية، يبرز التمسّك الياباني بالبعد الحضاري الخاص، وعدم الخلط بين استيراد العلم والمعرفة التكنولوجية، وبين المحافظة على التراث الثقافي القومي لليابانيين.

* التجربة الألمانية:  حيث لم ييأس شعب ألمانيا من إمكانات وحدته ومن عوامل تكوينه كأمَّة واحدة - رغم تقسيم ألمانيا لدولتين وبناء ثقافتين متناقضتين فيهما لحوالي خمسين عاماً - وبناء "حائط برلين" الذي كان رمزاً لانقسام العالم بين شرق شيوعي وغرب رأسمالي، فإذا بشعب ألمانيا يدمّر هذا الحائط ولا يقبل بتدمير عناصر وحدته القومية.

وفي هذه التجربة الألمانية الفريدة، يبرز تمسّك الشعب الألماني بالبعد القومي الخاص، والذي استطاع تجاوز كل عوامل التفرقة المصطنعة التي زُرعت لنصف قرن من الزمن وسطه.

* تجربة جنوب إفريقيا:  وفي هذا النموذج المهم أيضاً، تتضح أهمية القيادة السليمة، وضرورة وضوح الهدف المركزي والإخلاص له، والإصرار على تحقيق الهدف وعلى الأسلوب السليم من أجل الوصول إليه.

فمن يرى في الأمَّة العربية، أمَّة متخلفة، فليقارنْ مع جنوب إفريقيا التي أعلن قائد تحررها من النظام العنصري، نيلسون مانديلا، أنَ نسبة الأمية في بلده كانت بعد إسقاط النظام العنصري، تفوق الـ 70% من عدد السكان!

ومن يرى في اختلاف العرب "وحروبهم القبلية" مانعاً لوحدتهم المستقبلية أو لبناء مستقبل عربي أفضل، فليقارن أيضاً مع جنوب إفريقيا التي لم تكن فقط مجتمعاً منقسماً بين سود وبيض، بل أيضاً بين قبائل سوداء متناحرة لعشرات السنين مع بعضها البعض.

ورغم كل عناصر الفرقة والتخلّف والأمية في جنوب افريقيا، فإن التمسّك بالهدف والإصرار على تحقيقه من خلال سبل سليمة وتحت قيادة مخلصة، حرّر جنوب إفريقيا من نظام عنصري بغيض، وحافظ على وحدة المجتمع، وأوقف الحروب الأهلية القبلية، وبدأ  في بناء نظام اجتماعي ديمقراطي فيه حصّة لكل أبناء المجتمع رغم تباين اللون والعرق والمصالح!

***

ففي هذه النماذج المختلفة من تجارب العالم المعاصر، ما يعزّز الأمل بإمكان بناء مجتمع عربي أفضل، شرط الجمع بين حصيلة دروس هذه النماذح. فالبعد الديني والحضاري الهام لدى العرب لن يكفي وحده لمعالجة الأزمات التي تعصف الآن بالأمَّة من كلِّ حدب وصوب، ومن الداخل والخارج، فهذا البعد هو أساس هام للمنطلق ولبناء الأساس الفكري والخلقي والقيمي لأي حركة إصلاح عربية.. لكنه يحتاج إلى استكمالٍ بعناصر أخرى، خاصة في ظلّ واقع التجزئة والانقسام الذي امتزج بالتغريب الثقافي، وبطرح بدائل حضارية قديمة للحضارة العربية والإسلامية.

ففي المنطقة العربية وحدها، لا يصحّ إلا الطرح المشترك بين البعد الحضاري الديني وبين البعد العروبي القومي، ولا يمكن إسقاط أحدهما عربياً دون إسقاط الآخر، وهذا ما حصل في بلاد العرب بمطلع القرن العشرين حينما ارتبط تقسيم المنطقة بطرح التغريب الثقافي والعودة إلى الحضارات القديمة.

ولن يكون للبعدين الحضاري والعروبي، أي امكانية تغيير أو إصلاح في أحوال أمّة العرب، ما لم تتوفّر أيضاً القيادات المخلصة النزيهة التي تضع مصلحة شعوبها فوق مصالحها الخاصة، ومصالح أوطانها فوق مصالح أنظمتها ومنظماتها، والتي تضحي بنفسها في سبيل الهدف، وليس العكس!

***

ولعلَّ في كلّ هذه النماذج ودروسها ما يؤكّد الحاجة أيضاً إلى التمسّك بشعار الحرّية وأبعاده المختلفة داخلياً وخارجياً: للأنظمة والأوطان في تحرّرها من تبعية الخارج، وللشعوب في تحرّرها من أي احتلال أو نظام حكم دكتاتوري.. فالديمقراطية هي الحلّ للعلاقات السليمة المنشودة بين الأفراد والقوى المؤلِّفة للمجتمع، وأيضاً للعلاقات بين الأوطان والشعوب.

إنّ الحرّية، بمعناها الشامل، كانت وستبقى، ركن مهم في كل الرسالات السماوية، والقيم الإنسانية العامة. الحرّية التي تبقى عاجزة وناقصة إذا لم تترابط فيها مسألة التحرّر من سيطرة الخارج مع مسألة التحرّر من الاستبداد الداخلي. الحرّية، التي هي كالطير، بحاجة إلى تكامل جناحي الديمقراطية السياسية والعدالة الاجتماعية، حتى تستطيع التحليق عالياً. الحرّية هي القضية الملازمة لوجود الإنسان أينما كان ومنذ بدء الحياة الإنسانية على الأرض. الحرّية هي التي ترتبط بحقّ الاختيار، وبالتالي، الارتباط مع ميزة الإنسان بأنّه صاحب إرادة ومشيئة لعمل شيء ما أو فعل عكسه.

من هنا تكون ضرورة الديمقراطية بما تعنيه من مسائل مرتبطة بالانتخاب والتمثيل ونظام الحكم السياسي.. لكن ليس حكماً أن ترتبط الديمقراطية السياسية بالمساواة والعدل. كذلك ليس بالضرورة أن ترتبط الممارسة الديمقراطية بالقيم الدينية والأخلاقية، وأيضاً ليس بالضرورة أن ترتبط الديمقراطية بحرّية الوطن أو الأرض، باعتبار أنها تحصل الآن كأسلوب للحكم بين المواطنين وليست كشريعة للتعامل بين الدول.

فالأنظمة الديمقراطية الغربية عموماَ حرصت على النظام الديمقراطي داخل مجتمعاتها بينما أباحت لنفسها استعمار واحتلال شعوب أخرى، فهي ديمقراطيات قامت على نهج عنصري استباح الشعوب الأخرى وثرواتها. وهي ديمقراطيات غير عادلة في مجتمعاتها أحياناً، كما كان تاريخ العلاقة بين السود والبيض في أميركا رغم عدم تطابق الممارسة العنصرية مع نصوص الدستور الديمقراطي الأميركي. كذلك لجهة حقوق المرأة حيث حصلت المرأة الأميركية على حقها بالانتخاب بعد أكثر من 125 سنة من وضع الدستور!

الديمقراطية الغربية لم تكن أيضاً مرتبطة بالعدل الاجتماعي بين الناس حيث القوي الغني يأكل الضعيف الفقير، وهذا سياق طبيعي للترابط الحاصل في الغرب بين الديمقراطية في نظام الحكم السياسي وبين مقوّمات الاقتصاد الرأسمالي.

ويظهر التناقض أيضاً حول مفهوم الديمقراطية في ممارسات بعض الدول الغربية حينما دعمت هذه الدول النظام العنصري السابق في جنوب إفريقيا، وحينما دعمت وتدعم الكيان الإسرائيلي القائم على هوية وعلى ديمقراطية أساسهما الدين اليهودي!.

وقد واجهت، وتواجه، دول العالم الثالث ومنها المنطقة العربية، تحدّيات هامّة في سعيها نحو الديمقراطية. فالممارسة الديمقراطية السليمة تحتاج إلى استقرار أمني داخلي في المجتمع ومن حوله، لأنّ أسلوب العـنف (من أي جهة صدر) يعطّل الممارسة الديمقراطية، كما أن التهديدات على وحدة الكيان الوطني تعطّل الحياة الديمقراطية.

  كذلك، فإنّ التعامل مع المسألة الديمقراطية في المنطقة العربية لا يمكن أن يتمّ بمعزل عن تحدّيات الوجود الإسرائيلي وأطماعه السياسية والاقتصادية، وتحدّيات الإرادة الأجنبية في فرض التجزئة والتخلّف على الأمّة العربية منذ عشرات السنين.

إنّ الديمقراطية السياسية والتكامل الاتحادي وجهان لمشروع عربيّ واحد لمستقبل أفضل، وعماد هذا المشروع هو مفهوم الحرّية الشامل للمواطن العربي وللأوطان العربية، للإنسان وللأرض معاً.

* مدير "مركز الحوار العربي" في واشنطن

September 27, 2007

Filed under: مقالات

مشروع ناصري لم يكتمل

صبحي غندور*

رغم أهمّية التطوّرات السياسية الجارية الآن على أكثر من صعيد، أجد نفسي معنيّاً بالكتابة عن ذكرى وفاة جمال عبد الناصر – رحمه الله- التي تصادف يوم 28 أيلول/سبتمبر.

فالكتابة عن التجربة الناصرية ليست هي حنيناً لحقبة زمنية ولّت أو مجرّد تكريمٍ لشخص عاش ومات من أجل أمّته العربية، بل أعتبر أنّ ما يحدث الآن في البلاد العربية هو تأكيد جديد على أهمّية إعادة قراءة المشروع الناصري الذي لم يمنحه القدر الفرصة الزمنية الكافية لإثبات جدارته.

لقد توفّي جمال عبد الناصر في 28 سبتمبر من عام 1970 عن عمر لم يتجاوز ال52 عاماً، بعد 16 سنة من رئاسة مصر وقيادة المنطقة بأسرها، ولكنّه كان في سنوات حياته الأخيرة في قمّة بلوغه الفكري والسياسي، خاصّةً في الأعوام التي تلت حرب العام 1967.

فالتجربة الناصرية كانت عملياً مجموعة من المراحل المختلفة، ولم تكن تسير في سياق تطوّري واحد.

فالمرحلة الأولى من ثورة 23 يوليو عام 1952 امتدّت لعامين جرى فيها التحوّل من النظام الملكي إلى الجمهورية، وجرت فيها محاولات استبيان آفاق النظام السياسي الجديد وطبيعة العلاقة بين مجموعة من "الضباط العسكريين" الذين اشتركوا في صنع الانقلاب العسكري، الذي تحوّل إلى ثورة شعبية، لكن لم يشتركوا في تفاصيل الرؤية الفكرية والسياسية المرجوّة لمصر المستقبل. فقد كانت هناك مبادئ عامّة (المبادئ الستّة) لكن دون منظور استراتيجي أو عقائدي مشترك بين هؤلاء الضباط.

وانتهت هذه المرحلة عام 1954 بحسم سياسي من جمال عبد الناصر بتولّي القيادة مباشرة بعدما كان اللواء محمد نجيب في واجهة ضباط الثورة. ورأى ناصر آنذاك أنّ الأولوية هي لتحرير مصر من الوجود العسكري الأجنبي ومن القواعد البريطانية، فكانت "هيئة التحرير" هي الإطار السياسي الشعبي الأول الذي أطلقته ثورة 23 يوليو، والذي تزامن مع فترة تأميم قناة السويس والتصدّي للعدوان الثلاثي على مصر (إسرائيل/بريطانيا/فرنسا) عام 1956.

ثمّ انتقلت التجربة الناصرية من معركة التحرّر ضدّ الهيمنة الأجنبية على أرضها إلى دعم ومساندة حركات التحرّر العربية ضدّ بقايا الاستعمار الأوروبي في المنطقة (كثورة عدن ضدّ الإنجليز وثورة الجزائر ضدّ الفرنسيين). فكانت تلك مرحلة إطلاق الدور العربي لمصر الناصرية إضافةً إلى دورها الكبير في دول العالم الثالث والذي تجلّى في إعلان مجموعة دول عدم الانحياز ومساندة حركات تحرّر وطنية في إفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية.

وكان إعلان الوحدة بين مصر وسوريا عام 1958 تتويجاً لهذه المرحلة القومية التي قادها ناصر في النصف الثاني من عقد الخمسينات، والتي ترافقت أيضاً مع بناء إطار سياسي داخلي أطلِق عليه اسم "الاتحاد القومي".

وبشكلٍ معاكس للسياق التصاعدي الذي كانت عليه ثورة ناصر في الخمسينات، بدأ عقد الستينات حاملاً معه مواجهة حادّة مع أطراف إقليمية ودولية وفي ظل بناء سياسي داخلي هش، ودور فعّال لما اصطلح على تسميته ب"مراكز القوى" خاصّةً في المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية، والتي كانت هي أهم وسائل التواصل بين القيادة الناصرية والكثير من المواقع الفكرية والسياسية في مصر وفي المنطقة العربية.

أيضاً، بدأت حقبة الستينات والتوتّر على أشدّه بين قطبي الحرب الباردة حيث استباحت واشنطن وموسكو كل ساحات بلدان العالم الثالث للصراع الحادّ بينهما. فكانت مصر والأرض العربية أبرز هذه الساحات، كما حدث في حرب العام 1967 وفي الصراع على الأحلاف العسكرية في المنطقة.

ولعلّ انهيار تجربة الوحدة بين مصر وسوريا (28 أيلول/سبتمبر 1961) شكّل أفضل مثال على مزيج سلبيات البناء الداخلي وحجم التحدّيات الخارجية. فلم تكن جريمة الانفصال حصيلة مؤامرات خارجية فقط إذ كانت هشاشة البناء الذي قامت عليه تجربة الوحدة هي العامل الأهم في حدوث هذا الانفصال.

ستّ سنوات عجاف للتجربة الناصرية (منذ الانفصال عام 1961 إلى هزيمة العام 1967) تخلّلتها صراعات عربية/عربية وحرب اليمن التي استنزفت الجيش المصري، وتركيز على "الفكر الاشتراكي" الذي تشوّه مضمونه أحياناً بأفكار أخرى، وبعدم حسم ضدّ "مراكز القوى" داخل جسم القيادة المصرية.

لكن هزيمة العام 1967 كانت أيضاً نقطة تحوّل إيجابية كبيرة في التجربة الناصرية من حيث تطهير الجسم السياسي والعسكري القيادي في مصر، وإعادة البناء السليم للمؤسسة العسكرية، ووضع أولويات المعركة ضدّ إسرائيل على حساب أي صراعات عربية أخرى، ثمّ بدء حرب استنزاف عسكرية على جبهة قناة السويس مهّدت عملياً لحرب العبور في أكتوبر عام 1973.

وقد أعلن ناصر تحمّله المسؤولية الكاملة عن هزيمة 1967 واستقال من كل مناصبه الرسمية، ولم يعد عن هذه الإستقالة إلاّ بعد يومين من المسيرات الشعبية العارمة التي شملت كل مصر ومعظم البلاد العربية، ثم كانت هذه الهزيمة سبباً مهماً لإعادة النظر في السياسة العربية لمصر الناصرية حيث وضع جمال عبد الناصر الأسس المتينة للتضامن العربي من أجل المعركة مع العدو الإسرائيلي، وتجلّى ذلك في قمّة الخرطوم عام 1967 وما تلاها من أولوية أعطاها ناصر لإستراتيجية إزالة آثار عدوان 1967، وإسقاط كل القضايا الأخرى الفرعيّة بما فيها سحب القوات المصرية من اليمن والتصالح مع الدول العربية كلّها والسعي لتوظيف كل طاقات الامّة من أجل إعادة تحرير الأراضي المحتلة. وكانت هذه السياسة هي سمة السنوات الثلاث الّتي تبعت حرب 1967 إلى حين وفاة عبد الناصر.

لكن خلاصات السنوات الست العجاف في الستينات كانت مزيجاً من الدروس الهامة لمسألتي الوحدة العربية والصراع مع إسرائيل. إذ تبيّن أنَّ زخم المشاعر الشعبية لا يكفي وحده لتحقيق الوحدة، وأنَّ هناك حاجة قصوى للبناء التدريجي السليم قبل تحقيق الإندماج بين بلدين عربيين أو أكثر. وهذا ما حرص عليه عبد الناصر عقب حرب 1967 حينما رفض المناشدة اللّيبية ثمَّ السودانية للوحدة مع مصر، واكتفى بخطوات تنسيق معهما رافضاً تكرار سلبيات الوحدة الفورية مع سوريا.

أيضاً أدرك عبد الناصر ومعه كل أبناء الأمّة العربية أن التحرّر من الاحتلال يقتضي أقصى درجات الوحدة الوطنية في الداخل، وأعلى درجات التضامن والتنسيق بين الدول العربية.

كذلك، كان من دروس هزيمة 1967 وانفصال عام 1961، أنّ البناء الداخلي السليم وتحقيق المشاركة الشعبية الفعّالة في الحياة السياسية، هما الأساس للحفاظ على أي تجربة تكاملية بين البلاد العربية، وهما أيضاً الأرض الصلبة لقيادة حركة التحرر من أي احتلال أو هيمنة خارجية.

لكن هذه الدروس الهامة لم تعش طويلاً بعد وفاة ناصر، وهاهي الأمّة العربية الآن تعاني من انعدام التضامن العربي ومن الانقسامات والصراعات، ومن هشاشة البناء الداخلي وغياب الديمقراطية السياسية، مما سهّل ويسهّل الهيمنة الخارجية على بعض أوطانها ويدفع بالوضع العربي كلّه نحو مزيد من التأزم والتخلّف والسيطرة الأجنبية.

إن التجربة الناصرية أصبحت الآن ملكاً للتاريخ، لها ما لها وعليها ما عليها، لكن العروبة كهوية انتماء مشترك، كانت قبل عبد الناصر وستبقى بعده رغم كل مظاهر التخلّي عنها الجارية الآن، فالعروبة بمضامينها الحضارية قادرة على النهوض من جديد إذا ما توفرت القيادات السليمة لها، وإذا ما ارتبطت الدعوة للعروبة بالبناء الداخلي السليم.

* مدير "مركز الحوار العربي" في واشنطن

 

Get free blog up and running in minutes with Blogsome
Theme designed by Jay of onefinejay.com