النبلاء يغادروننا
يحيى قلاش
ليست مصادفة أو غلوًا أن يجتمع كل من عددوا أبرز صفات د.محمد السيد سعيد في حياته أو بعد رحيله على نبل أخلاقه ونبل سلوكه ونبل مواقفه وكذلك نبل تعبيره عن خلافه مع أشخاص أو أفكار، فدائما له وجهة نظر واشتباكات وانحيازات فكرية وسياسية وإنسانية، ولكنه كان يشعرك بأنه بلا خصوم.

هو من قلة يجود بهم الزمان على مهل، تراه تشعر بالاطمئنان يتسرب إليك، تسعد لو اتفقت معه، ولا يبرحك الأمان لحظة إذا خالفته الرأي، لو صادقته كأنك ملكت كنزًا، ولو عرفته عن قرب يتملكك إحساس دائم بالاحترام والتقدير، ولو عملت بجواره في عمل أو مهمة تندهش لكل هذه الطاقة وهذه القيمة المتوهجة في كائن شديد الإنسانية والتواضع والحب لكل من حوله.
ورغم أنه كان يملك وجهاً هادئاً شفافاً فيه مسحة من براءة آسرة، لكن داخله يحتوي على بركان من القلق والتوتر. يمتلك قدرة خارقة على إنتاج الأفكار الخلاقة، لكنه يطلقها وكأنه يحررها من الأسر، فتخرج لتعيش بعيداً عنه بعد أن نفخ فيها من روحه وأكسبها الحياة والقدرة على التنفس والنمو.
غادرنا محمد السيد سعيد فجأة رغم مرضه الطويل، فشعرنا برحيله بأن كل النبلاء الذين سبقوه بالرحيل في السنوات والأيام الأخيرة قد ماتوا الآن، محمد عودة، ونبيل الهلالي، وإبراهيم شكري، وعزيز صدقي، ومراد غالب، ومحمد سيد أحمد، وكامل زهيري، ويونان لبيب رزق، ومحمد يوسف الجندي، ورجاء النقاش، ورءوف عباس، وعبدالوهاب المسيري، وصلاح الدين حافظ، ويوسف شاهين، وأحمد عبدالله، وحامد العويضي، ومجدي مهنا، ومحمود عوض، وأحمد ثابت، وسيد زهران، وسامي خشبة، ويوسف أبورية، وسعد زغلول فؤاد، وأحمد فؤاد سليم، وبيومي قنديل. نعم شعرت بأن رحيله هو إشهار بموت عصر وحلم ومشروع، فقد أخذ محمد السيد سعيد من كل هؤلاء طرف خيط كان ينسج به مشروعاً فكرياً بحجم أحلام كل من أحبوا هذا الوطن، لأنه كان يؤمن بأن المبادئ ليست بنت الأيديولوجيا مهما كانت قيمتها، لكنها بنت القيم الإنسانية العليا، وكان الوطن عشقه والمواطن البسيط وسيلته وغايته.
وقد استطاع ببساطة وعبقرية أن يعقد مصالحة بين الأكاديمي والصحفي، وبين المفكر وجماهير الناس من البسطاء، وبين ضمير المستقل وانحياز السياسي صاحب وجهة النظر، وبين الخصوصية الوطنية العاشقة ورحابة الثقافات المختلفة، وبين العقل الذي يحسب لكل أمر حساباته الدقيقة الموزونة والعاطفة التي يؤدي استبعادها في كثير من الأحيان إلى موت الإنسان بداخلنا، بين صراحة الرأي وحدته وود وألفة تصون العلاقات وتحفظ دفء المشاعر ولا تتطوع أبدا بخسارة الأصدقاء.
عرفت محمد السيد سعيد منتصف ثمانينات القرن الماضي في بداية تأسيس المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، وأستطيع أن أقول بضمير منصف إنه إذا كان الدكتور محمود عزمي هو رائد حقوق الإنسان والحريات العامة وحرية التعبير في مصر، فالسيد سعيد هو الذي حول هذا الفكر الطليعي أو البناء النظري إلى ثقافة عامة، وإلى حقوق تستحق التضحية من أجلها وانتزاعها، ومن أجل هذه القضية كان اعتقاله لمدة شهر عام 1989 وتعرضه للتعذيب، بعد أن حاول زكي بدر وزير الداخلية في هذه الفترة أن يبتر في المهد هذا التيار الذي قاده سعيد، ووجهت إليه تهمة التوقيع على بيان حقوقي يدين اقتحام قوات الأمن مصنع الحديد والصلب وإطلاق النار على العاملين فيه أثناء إضراب عمال المصنع الشهير، وكان قد سبق كل ذلك حملة نشطة ودءوبة استخدم فيها كل وسائل التعبير التي تدين فلسفة العقاب الجماعي والتصفية الجسدية التي اعتمدتها وزارة الداخلية للتنكيل بالخصوم السياسيين من الجماعات الإسلامية التي كان يخالفها د.محمد في الرأي والفكر، لكنه كان يدافع عن حقها في التعبير والمحاكمة العادلة ورفض الإجراءات الاستثنائية. وأتذكر كيف ثار أعضاء الجمعية العمومية للصحفيين التي ينتمي إليها احتجاجاً على اعتقاله وكيف انتفضت مؤسسات المجتمع المدني وكل رموز الثقافة والفكر، وأتذكر أيضا أنه تحت ضغوط هذه الاحتجاجات اتصل د.مصطفى الفقي مدير مكتب رئيس الجمهورية للمعلومات ـ في ذلك الوقت ـ بزكي بدر ليخفف من احتقان الأزمة، ليفاجأ برد الوزير عليه بوقاحته التي اشتهر بها: "هو علشان دكتور أعتقله في فندق خمس نجوم وأطبطب عليه". لكن في النهاية انتصرت إرادة المثقف على بطش السلطة.
وفي كل المواقف التي كانت تتعرض فيها الحريات العامة وحرية التعبير ـ وفي المقدمة منها حرية الصحافة ـ لاعتداء أو محنة كان محمد السيد سعيد يتقدم الصفوف، هكذا وجدناه خلال مواجهة أزمة القانون 1993 لسنة 1995 الذي استهدف اغتيال حرية الصحافة، مشاركاً في كل أعمال الجمعية العمومية للصحافة ومساهماً أساسياً في كل الفعاليات التي ارتبطت بمواجهة هذه الأزمة.
ولا يمكن أن يسقط أبداً من الذاكرة النقابية دوره في أعمال المؤتمر العام الرابع للصحفيين الذي عقد أعماله في الفترة من 23 ـ 25 فبراير 2004 تحت عنوان "نحو إصلاح أوضاع الصحافة والصحفيين"، ومشاركته في الأعمال التحضيرية له، التي سبقت ذلك بعدة شهور، عقب نجاح النقيب جلال عارف. وقاد إنجاز أول استطلاع علمي كبير وشامل شارك فيه ما يقارب ربع أعضاء الجمعية العمومية للصحفيين ينتمون لـ47 مؤسسة وإصدارًا صحفياً، وقدم قراءة تحليلية رصينة لنتائج هذا الاستطلاع، أشار فيها إلى مشاركة الزميلين د.جمال عبدالجواد وصبحي العسيلي بوحدة استطلاع الرأي بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية للأهرام في هذا الجهد.
وأستطيع أن أدعي أنه كان لهذا الاستطلاع ولهذه القراءة التي قدمها تأثير كبير في مسار نجاح هذا المؤتمر المهم، والتي قادت إلى حوار حقيقي كان يجري للمرة الأولى مع الدولة حول هموم وقضايا حقيقية عن الصحافة وأحوال الصحفيين، بعد أن عكست نتائجه الرغبة العارمة بين الصحفيين المصريين في إصلاحات عميقة في بنية الصحافة المصرية على كافة الأصعدة والمستويات، وكشف أن من أهم أسباب المعاناة المهنية للصحفيين هي أسلوب ممارسة رؤسائهم للسلطة داخل المؤسسات الصحفية، وأن الغالبية الساحقة من الصحفيين تريد التغيير والمشاركة في اختيار رؤساء التحرير والتخلص من العوامل التي تؤدي إلى التسلط والفوضوية وعدم الكفاءة وغياب الرقابة، والمطالبة بتغيير أوضاع الصحفيين وتحقيق قدر أكبر من العدالة في توزيع الأجور والرواتب، كما طالبوا بإصلاح تشريعي شامل وحق الحصول على المعلومات، وعدم تدخل الأمن أو رجال الأعمال في شئون الصحافة، والتحذير من تعمد الخلط بين الإعلان والتحرير.
وانتهت قراءته إلى أن النقابة ملزمة بالمشاركة مع الدولة وجموع الصحفيين والمؤسسات الصحفية، بالتدخل لوضع حلول عاجلة للمشكلات المتفجرة التي كشف عنها الاستطلاع، وقال: "نحن جميعا مسئولون مسئولية مشتركة عن استعادة زمام الصحافة المصرية لموقعها القيادي في الصحافة العربية وموقعها التاريخي في الصحافة العالمية".
وهكذا استمرت مواقفه النقابية التي تنطلق من تقديس بلا حدود للحرية، فقد شاركنا اجتماعات الجمعية العمومية العادية في مارس 2006 التي اكتملت لأول مرة في تاريخ النقابة، من غير أن يكون على جدول أعمالها إجراء انتخابات، وذلك لمناقشة قضية إلغاء الحبس في قضايا النشر، واعتماد لائحة جديدة لأجور الصحفيين، وكان في مقدمة الذين شاركوا في مظاهرتين احتجاجيتين أمام مجلس الشعب في أبريل ويونيو 2006 لخروج التعديلات بإلغاء بعض مواد الحبس وفقاً لمطالب الصحفيين، وعدم إقحام مادة "الذمة المالية" التي كانت تستهدف غل يد الصحافة عن تناول الفساد.
معارك محمد السيد سعيد في الفكر والسياسة والدفاع عن الحريات وحقوق الإنسان لا يمكن حصرها، وجميعها خرج منها منتصرًا أو زارعاً للأمل. حتى مرضه الأخير لم يثنه عن أن يغرس لنا شجرة وارفة اسمها جريدة "البديل"، أراد لها أن تثمر بعض الخير، وأن يحتمي بظلها الفقراء والكادحون. وأقل ما يمكن أن نقدمه لهذا الراحل النبيل الذي وهبنا فكره وقلقه وعذاباته وحبه لهذا الوطن، ألا تسقط تحت أي حجة هذه الشجرة التي رواها بدمه وأعطاها من روحه وعمره، وأن تعود "البديل" ليكون محمد السيد سعيد قد ذهب مرضياً كما عاش راضيا. وحرام أن نستسلم لموت النبلاء ورحيلهم لصالح القبح والفساد والتطرف وخيانة الأحلام والأوطان.